الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

149

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

واللام في قوله : لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ - وقوله - وَلَأَدْخَلْناهُمْ لام تأكيد يكثر وقوعها في جواب ( لو ) إذا كان فعلا ماضيا مثبتا لتأكيد تحقيق التلازم بين شرط ( لو ) وجوابها ، ويكثر أن يجرّد جواب - لو - عن اللام ، كما سيأتي عند قوله تعالى : لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً في سورة الواقعة [ 70 ] . [ 66 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 66 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ( 66 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ . إقامة الشيء جعله قائما ، كما تقدّم في أول سورة البقرة . واستعيرت الإقامة لعدم الإضاعة لأنّ الشيء المضاع يكون ملقى ، ولذلك يقال له : شيء لقى ، ولأنّ الإنسان يكون في حال قيامه أقدر على الأشياء ، فلذا قالوا : قامت السوق . فيجوز أن يكون معنى إقامة التّوراة والإنجيل إقامة تشريعهما قبل الإسلام ، أي لو أطاعوا أوامر اللّه وعملوا بها سلموا من غضبه فلأغدق عليهم نعمه ، فاليهود آمنوا بالتّوراة ولم يقيموا أحكامها كما تقدّم آنفا ، وكفروا بالإنجيل ورفضوه ، وذلك أشدّ في عدم إقامته ، وبالقرآن . وقد أومأت الآية إلى أنّ سبب ضيق معاش اليهود هو من غضب اللّه تعالى عليهم لإضاعتهم التّوراة وكفرهم بالإنجيل وبالقرآن ، أي فتحتّمت عليهم النقمة بعد نزول القرآن . ويحتمل أن يكون المراد : لو أقاموا هذه الكتب بعد مجيء الإسلام ، أي بالاعتراف بما في التّوراة والإنجيل من التبشير ببعثة محمّد صلى اللّه عليه وسلم حتّى يؤمنوا به وبما جاء به ، فتكون الآية إشارة إلى ضيق معاشهم بعد هجرة الرسول إلى المدينة . ويؤيّده ما روي في سبب نزول قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [ المائدة : 64 ] كما تقدّم . ومعنى لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ تعميم جهات الرزق ، أي لرزقوا من كلّ سبيل ، فأكلوا بمعنى رزقوا ، كقوله : وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا [ الفجر : 19 ] . وقيل : المراد بالمأكول من فوق ثمار الشجر ، ومن تحت الحبوب والمقاثي ، فيكون الأكل على حقيقته ، أي لاستمرّ الخصب فيهم . وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ